السيد كمال الحيدري
25
الإنسان بين الجبر والتفويض
تجميد العلاقة بين الدليل والمدلول وإنكار قانون العلّية والمعلوليّة العامّ لا يثبت أيّ مدّعى بما في ذلك ما يدّعيه الأشاعرة أنفسهم ، وعندئذ يغلق الطريق لإثبات الصانع جلّ وعلا وإثبات النبوّة والكتاب ، ولا تصل منظومة الفكر إلى إثبات توحيد الخالقية حتّى بالصياغة الأشعرية ذاتها ، بعد أن أغلق الطريق لإثبات الله والنبوّة والكتاب . هذه النتائج الخطيرة هي التي لوّح لبعضها السيِّد الطباطبائي ، وهو يحذِّر من مغبّة الارتكان لهذا اللون من التفكير ، حيث يقول : « وهذا النظر يبطل قانون العلّية والمعلوليّة العامّ الذي عليه المدار في القضاء العقلي ، وببطلانه ينسدّ باب إثبات الصانع ولا تصل النوبة مع ذلك إلى كتاب إلهي يُحتَجّ به على بطلان رابطة العلّية والمعلوليّة بين الأشياء » « 1 » . 2 . يسقط هذا التفكير بانتقائية غير مبرّرة في التعاطي مع الظواهر القرآنية . لقد مرَّ فيما سبق أنّ الآيات التي تتحدّث عن صفة الخلق تنقسم إلى طائفتين : الأولى تحصر التأثير بالله مطلقاً ، والثانية تنسب أنحاء من التأثير إلى سواه . والتفكير الأشعري تعامل مع الطائفة الأولى
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ص 298 . ربما يلجأ بعض للإحالة إلى برهان الصدّيقين مثلًا وأنّه لا يتأثّر بمنطق الأشاعرة هذا . بيدَ أنّ هذا التوجيه لا ينقذ الموقف أيضاً لأنّ هذا البرهان ينتمي إلى دائرة البحث الفلسفي والعرفاني ولا علاقة له بالمتكلِّمين . إنّما يدور البحث الكلامي برمّته ويستوي على سوقه ، من خلال العمل بقانون العلّية العام وإثبات العلّة من خلال الأثر والمعلول ، وبنفي العلاقة بين الاثنين يتقوّض سلاح المتكلِّمين وتتعطّل المعرفة الكلامية على صعيد إثبات الصانع والنبوّة والكتاب ، وما يترتّب عليها من تفاصيل .